الحال الذي بات يعيشه اللاجئون، بصورةٍ عامة، فيه الكثير من المرارة والمعاناة، وهذا ما يعني أنَّ حال هؤلاء بات يَصبُّ في معاناةٍ كبيرة ومضنية، نتيجة تسللهم عبر بعض المنافذ التركية ليتمّ ترحيلهم بقوارب مطاطية “البَلم”، ما أودى بحياة المئات منهم الذين فضّلوا استخدامه رغم المراقبة الشديدة التي تتخذها السلطات التركية للحيلولة دون عبور حدودها، وانتظارهم الفرصة المناسبة ليتمّ نقلهم إلى أوربا حيث وجهتهم التي طالما حلموا بها، للخلاص مما هم فيه، متناسين بأنها ستكون المحطّة الأصعب في حياتهم، ومن هنا ستكون النقطة الأهم مع بدء الرحلة التي ستشغلهم كثيراً، ظانين أنّهم سيسعدون في بلاد النعيم، كما يُخيل إليهم!
عبد الكريم البليخ كاتب وصحفي سوري
وإذا ما حاولنا استعراض معاناة طالبي الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوربي، والمشكلات التي يتعرّضون لها، والمخاطر المحدقة التي يواجهونها، ناهيك بالمبالغ المالية الضخمة التي يدفعونها للمهرّبين، والتي تصل إلى نحو 2500 يورو لكل فرد من أفراد العائلة لقاء عبورهم على قارب مطاطي في رحلة قصيرة لا تدوم أكثر من ساعة على الأغلب، حسب الطقس، وفيها الكثير من الصعوبة في الوقت نفسه، لخطورة الممر المائي الذي يصل بين تركيا والجزر اليونانية، ومنها قطع بحر إيجة باتجاه جزر “كوس”، “ماتلليني”، “ساموس”، أو “خيوس”، وغيرها من الجزر اليونانية المأهولة وغيرها، ومنها عبر قارب نظامي أو ما بات يعرف ب “اليخت”، وبعد وصولهم وأخذ بصمتهم وصورهم والمعلومات الخاصة بهم، وعلى ضوء ذلك منحهم ورقة طرد تُسمى “بالخارتيه”، ومنها يتم ترحيلهم إلى العاصمة اليونانية أثينا، ومنها يبدأ مشوار الرحلة باتجاه دول البلقان: مقدونيا، صربيا وهنغاريا البلد الأصعب.. لقاء دفع مبالغ مالية ما بين 1500 إلى 1800 يورو لقاء وصولهم إلى “المجر” ــ هنغاريا.. أو متخذين اتجاه آخر، وهو ألبانيا، صربيا وبالتالي هنغاريا، وفي هذه النقطة يضطر اللاجئ إلى دفع نحو 4200 يورو للوصول إلى النمسا، ومنها إلى هولندا، ألمانيا وغيرها.
وهناك مبالغ أخرى يتم دفعها لشبكات التهريب وحسب الاتفاق المعمول به تصل إلى 12500يورو يدفعها الراغبون بالهجرة عبر شاحنات نقل كبيرة.. في حال كانت بعلم سائق الشاحنة، ومبالغ أدنى من ذلك تكون بدون علم السائق.
المرحلة الثالثة تبدأ من هنغاريا إلى فيينا العاصمة النمساوية. ونادراً من يبتسم له الحظ ويتجاوز بصمة هنغاريا، والتي لا يمكن كسرها سوى في المانيا، لا سيما أن بصمتها تعتبر ميؤوس من الخلاص منها، بالنسبة لبعض دول الاتحاد الأوربي، وحتى بعض المقاطعات الألمانية، لم تعد تتجاوز البصمة الهنغارية ما يعني ذلك إلغاء اللجوء لكل من سبق له أن تم أخذ بصمته في هذه الدولة، وهناك أعداد كثيرة من اللاجئين ممن التزموا بأخذ بصماتهم في هنغاريا، ما اضطرهم إلى العودة مرةً أخرى إليها “مكرهٌ أخاك لابطل”، ولم يعد بمقدور الدول الذاهبين إليها، أو الدولة التي سبق أن لجأوا إليها قادرة على قبول لجوئهم، ما يعني منحهم بطاقة طرد خارج حدود الدولة والعودة مرةً أخرى إلى هنغاريا التي طبّقت بحقّهم إجراء اللجوء، وهو أخذ بصماتهم، كما هو معمول به في قوانين الاتحاد الأوربي.. وفي الفترة الأخيرة قرّرت ألمانيا ألغاء “بصمة ” تطبيق معاهدة “دبلن” بالنسبة للاجئين السوريين، التي تنص بنودها على إعادتهم إلى أول بلد أوروبي دخلوه، بالتزامن مع توافد الآلاف منهم براً من اليونان إلى مقدونيا في الطريق إلى الدول الأوروبية الغنية.
وكانت إعادة اللاجئين إلى الدول التي تم أخذ بصماتهم فيها بالقوّة في دول بلغاريا وهنغاريا وايطاليا من أبرز المشكلات التي تواجه اللاجئين السوريين، ودفعت بعضهم إلى محاولة الانتحار، نظراً لسوء الأوضاع في الدول المذكورة، ناهيك ما يعرّضهم ذلك إلى الموت المحقّق، والفقدان، والبرد الشديد، ومخاطر الطريق، والنهب والسرقة والمعاملة السيئة، وأشياء لا يمكن أن تخطر ببال بشر!.
إذاً فإنَّ اتفاقية “دبلن” هي اتفاقية تتعلّق باللاجئين إلى الاتحاد الأوربي، وتقضي بمنح الدولة التي استقبلت اللاجئ أولاً شرف إبقائه لديها لاجئاً، ورعايته والاهتمام به وفقاً لأنظمتها المحلية. ومثال ذلك أن يحط اللاجئ في النمسا أولاً، ثم يختار اللجوء إلى فلندا أو غيرها أمر لا ترضى به النمسا، لأنّه يُحرمها شرف استضافة اللاجئ، ولا ترضى به عملياً فلندا، إذ يضيف على كاهلها عبئاً فوق أعباء تنوء بها، وهي ترى أن النمسا أولى بإيوائه واستضافته.
فاللاجئ السوري الذي سبق له أن حصل على تأشيرة “شنغن” ليصول ويجول في منطقتها كما يشاء من دون عوائق، يمكن ذلك، ولكن شرط أن لا يفكر بتقديم اللجوء إلا في بلد دخوله الأول في هذه المنطقة، وفق ما تقتضيه “دبلن”. ومن هنا نجد أنَّ اليونان غير ملزمة باتفاقية “دبلن”، ما يعني أن بمقدور زائرها السوري الحاصل على تأشيرة نظامية منها أن يمضي ليطلب اللجوء في أي دولة “شنغن” أوربية أخرى. بما معناه أن اليونان تتنازل عن شرف منح اللجوء لأي دولة “شنغن” أخرى. بالتأكيد، اليونان هي المحطة الأولى، وقد نعدها الأسهل بالنسبة للسوريين الذين يبحثون عن دول النعيم.
وهناك البعض من الجنسيات العربية ممن انتحلوا صفة اللاجئ السوري بهدف تسهيل مرورهم، ومن ثم حصولهم على الإقامة الأوربية، وهناك الكثير من الأسماء ممن تم الكشف عنها، وإبقائها بعيداً عن أي إجراء آخر يمكن أن يستفاد منه في هذه المعمعة التي لا تزال تكرّر ذاتها، وبصورة دائمة هرباً من الجور المحدق الذي حل بالمواطن السوري، على وجه التحقيق، وتحمّل على مضض الكثير من المآسي والحقد الدفين المبيّت له!.
وإذا ما حاول اللاجئ اللحاق بركب الدول الأوربية، بهدف الحصول على جنسيتها بعد قضاء فترة من الزمن، وهذا هو الهدف الأسمى من صور الاحتيال التي رافقته وألزمته بتحمّل تبعات الاغتراب أياً كانت مؤسياتها، مادفع به إلى بيع الغالي والنفيس ليحط في بلاد طالما حاول الوصول إليها، والوقوف أمام أبواب سفارتها مراراً وتكراراً دونما فائدة، قبل اندلاع الثورة السورية، ناهيك بالاشتراطات الكثيرة والمعقدة التي كانت تلجأ إليها أغلب هذه الدول، والآن صارت ديدنه وبدون أي كلفة مادية تذكر، وبعيداً عن الوقوف أمام أبواب سفاراتها المحصّنة، فما عليه سوى التغلب على ذاته، والإقدام على الرحلة وخوض التجربة بحريته، واقتنائه بعض الأموال حتى يتمكن من دفعها إلى المهربين الذين بدورهم باتوا يشكلّون صلة وصل حقيقية للوصل به إلى حيث يريد، متخيّراً في ذلك الدول التي يرغب بعيداً عن أي ضغوطات قد تقف حجرة عثرة بينه وبين رغباته.
والسؤال هل أوربا تختلف عن دول أمريكا الشمالية بهيبتها وغناها، وبماذا تختلف؟ وما هو وجه الخلاف في ما بينهما؟ وهل نحن راضون بكل هذه المعطيات؟ وبعد كل الذي حدث، وإن حصل ذاك اللاجئ على جنسية أية دولة أوربية، أو حتى جنسية الولايات المتحدة الأمريكية، العملاق الاقتصادي الضخم، هل ينسيه هذا حبّه وولاءه لبلده؟! وهل هو مقتنع بالغربة أصلاً، كغربة، والبعد عن الأهل والأحبّة والديار، وجلسات الحارة الساخنة، بأحاديثها الجانبية، وسلام المارّة، والتحية المفعمة بالحب لذلك الشيخ، ولتلك العمّة، وذاك الطفل..؟!
لا أظن أنَّ الحصول على جنسية أي بلد، يمكنها أن تلفظه عن بلده الأم، وتبعده عنه.
وعلى الرغم، من بهرجة الإقامة، والتفاخر بها من قبل الغالبية من اللاجئين الذين سبق أن حصلوا عليها، وممن ينتظرون دورهم، والأحاديث الجانبية التي لا ينفك مجلساً محلياً في أي مدينة سورية الحديث عما يجري، واصفاً واقع المهجّرين وأحوالهم، وقفزاتهم بعد أن عانوا ما عانوا من قهر وحرمان وضياع وقت طويل لأجل الوصول إلى ألمانيا، وفرنسا، وهولندا، والنمسا، والسويد، والنرويج، والدنمارك، وفنلندا، وبريطانيا، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا والبرازيل، وغيرها كثير من الدول المختلفة، ناهيك بالأموال التي صرفت وخصصت من أجل السفر لهذه الدول، وتعرّض المغامر من هؤلاء اللاجئين إلى الموت المحقّق، وفوق ذلك المعاناة التي تمخّض عنها تلك المغامرة غير المضمونة، علاوة على تأمين المبالغ المالية الضخمة التي تتطلب لهذه المغامرة الخاسرة!.
نعم، هي مغامرة خاسرة، بكل إيجابياتها!
لأنه، ومن خلال لقائي أعداد غير محدودة من هؤلاء المغامرين، فإنَّ ما صرف لقاء الوصول إلى هذه الدول من مبالغ مالية فاق الـ 12 آلاف يورو للشخص الواحد، ومنهم من دفع لقاء وصوله إلى تلك البلاد الذهبية أكثر من ذلك، بعيداً عن المعاناة التي تجاوزت الأشهر الـستة، حيث قضوها بين الغابات، والعواصف، والرياح والأمطار، ومخاطر البحر والموت الزؤام، فضلاً عن المبالغ المالية الاضافية التي سبق أن صرفها المهاجرين الجدد أثناء تنقلهم، إلى أن وصلوا إلى المكان الذي احتضنهم أخيراً!!.
عبد الكريم البليخ
إن المقال المكتوب هنا يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة INFOGRAT الإعلامية وإنما ننشر الأخبار والمقالات الشخصية من منطق حرية الرأي والتعبير ولمزيد من المعلومات أو الإنتهاكات بإمكانكم الإتصال بنا من خلال الموقع.